الإنجاب: ماذا تقدمين للبشرية؟

موضوع ضخم وذو جوانب اقتصادية ومجتمعية وثقافية ودينية

لن أخوض في أي منها لأن الرسالة اليوم للمرأة نفسها! عندما تنجبين فإنك تضيفين إنساناً جديداً لكوكب الأرض لا تعرفين أين ينتهي به المطاف وكيف سيكون مستقبله. فهل أنت جاهزة بحق؟ دعيني أقول لك ما سيحدث: ستتزوجي وقد يمر بعض الوقت ثم تفكرين مع شريكك بتأسيس أسرة – أي أطفال. وبتوفيق من الله قد يحدث الحمل . في حال عدم الحدوث قد تسلكين مساراً يختلف طوله حسب الظروف، ولو حدث الحمل فستتهيئين جسديا ونفسيا لاستقبال المولود وتنشغلين في تفاصيل كثيرة لا حصر لها. سيأتي المولود وتنشغلين مجددا بتفاصيل متوالية منذ الولادة وحتى دخوله المدرسة ثم الجامعة. رحلة طويلة نسأل الله خلالها التوفيق ونسهر الليالي الطوال ما بين رضاعة وتمريض ودراسة ودعاء ليصبح شاباً أو شابة يحمل إسم الأسرة ويكمل المشوار.

بالنسبة لك كأم قد تعتقدين أن دورك قد انتهى. فهل بالفعل انتهت القصة هنا؟

لا سيدتي، لا يكفي أنك أمه حملت به وأنجبتيه وسهرت عليه في طفولته

بل من المهم أن تكوني قدوة حقيقية له، وذلك لا يتأتى بالمال أو النسب أو المركز الوظيفي، بل بالقيم التي تغرسينها في نفسه

الأم -في كل بقاع الأرض- يتبعها الطفل حيث ذهبت ويرى أن ما تفعله هو الطبيعي سواء في مظهرها أو سلوكياتها

ما هي المواقف التي تتخذينها حيال مستجدات وتحديات الحياة ؟

كيف تواجهين الصعاب المادية والمعنوية ؟

كيف تتغلبي على العقبات ؟ هل تيأسين سريعاً ؟ هل تثابري وتواصلي كفاحك تجاه هدف معين ؟

ما هي سلوكياتك مع الآخرين أمامه ؟ لاحظي أن سلوكياتك ستنعكس عليه بشكل أو بآخر حتى لو لم تظهريها أمامه فعامل الوراثة قوي

هل تعتمدين على الآخرين لتسيير شؤونك؟ هل تعتبرين ما يأتيك من الآخرين مسلماً به وحق من حقوقك دون أي اعتبار للمقابل؟

هل تتنازلين عن حقوقك بحجة التضحية من أجل أطفالك؟

هذه مجرد أمثلة للمبادئ التي ينشأ عليها طفلك دون أن تلقين لفظي أو شرح، لأنها تعليم بالقدوة سيمتصه الطفل إما جينياً أو سلوكياً

لذا أخالف الرأي السائد بأن الأم أم مهما حدث … ليست كل أم أما بالضرورة فكثير من النساء منحهن الرب نعمة الإنجاب فقط، لا التربية والتنشئة القويمة التي تنتج إنساناً فاعلاً في مستقبله ومجتمعه.

منذ فترة جاءني خاطر حول الموضوع من خلال موقف في الطائرة لأم مع أبنائها وساءني تماما سلوكها وجلست أتفكر: هذه المرأة لو استمرت بهذا السلوك مع أبنائها ستكون العاقبة مظلمة لهم ولها.

وأنتِ، ما هو نوع الجيل الذي تنوين تقديمه لكوكب الأرض في المستقبل؟ هل يكفي أن تدور عجلة الإنتاج  البيولوجي دون اعتبار لمستقبل الطفل والبشرية على نطاق واسع؟

لا شك أن الضغط المجتمعي بأن الأنوثة لا تكتمل سوى بالأمومة منبعه ثقافة زائلة.

 وليس من الصواب أن نتوقع من كل فتاة أن تصبح أماً في المستقبل، فالإنجاب مثل معظم الأمور الكونية يجب أن يكون من ورائه هدف عميق وليس سببا سطحياً مثل إكتمال الأنوثة فقط! والهدف الأسمى -برأيي- هو إهداء نتاج جيد فاعل للبشرية، فهو مشروع هادف وليس فقط “سنة الحياة” لتكوين أسرة أوإرضاء العائلة أوالحفاظ على زوج.

بالطبع ليس من المعقول أن يتساوى النتاج البشري مهما صلحت الأم، بل الطبيعي أن يتفاوت البشر في مقدراتهم وإسهاماتهم وأهدافهم

وليس متوقعاً من كل أم أن تنتج أطفالاً متفوقين في شتى جوانب الحياة، لكني فعلاً أدعوك أن تبذلي مجهوداً كافياً في التفكير قبل وصول أطفالك لأنهم سيواجهون عالماً مليئاً بالفرص والتحديات وعليهم التسلح بكل ما تهبيهم من مبادئ صلبة في الخلق وحسن التعامل والمثابرة كي تتم رسالتك الحقيقية تجاههم وتجاه هذا العالم.

الإعلانات

هـي وهـو والمــال

Screen Shot 2018-03-19 at 9.01.33 PM

 

في العقود السابقة، كانت المرأة (السعودية خاصة) الموظفة غير مطلوبة للزواج، حيث كان الخاطب يفضل المرأة غير عاملة.

بعد عدة سنوات اقتصر الزواج على الموظفات في مهن تقليدية مثل التعليم أو الإداريات في منشآت نسائية فقط. كانت مهنة الطبيبة والممرضة معروف أنها للعازبات لأن طريقها طويل وفيها اختلاط وما إلى ذلك.

اليوم في القرن الـ 21 اختلفت الأمور وتبدل وضع المرأة من ربة منزل “فقط” إلى موظفة ومهنية في مختلف القطاعات وأصبحت تجني أموالاً وتعول أسراً وتسهم في كسر نمطية الدور السابق لها. وفي السنوات العشر الأخيرة أصبح التمكين المالي للمرأة من أهم سمات العصر وأصبح التعليم العالي والخبرة المهنية يؤتيان ثمارهما، فانتقلت المرأة تدريجيا من وضعية “معال” إلى وضعية معيل مستقل في كثير من الأحيان، ما أدى بدوره إلى ظواهر مجتمعية أخرى سنناقشها في مقال لاحق.

عندما تجني المرأة  أكثر من شريكها

بالنسبة للمرأة فإن تغير ميزانها الاقتصادي والمالي يجلب معه خيارات جديدة مثل القدرة الإنفاقية والتجارب الحياتية الأخرى مثل السفر والتعليم والتواصل مع أناس جدد ناهيك عن تلبية احتياجاتها المادية والشرائية. لكن إضافة إلى ذلك فإن تغير قدرتها المالية قد يؤدي “في الأغلب” إلى إعادة تقييمها للعلاقة مع شريكها. فالعلاقة بين الرجل والمرأة ـــ خاصة في المجتمعات العربية ـــ قائمة على المعيل الذكر في الأسرة وبالتالي فإن قلب المعادلة يوجد اضطرابا نفسيا للطرفين، فالرجل سيشعر أن موقفه كرب أسرة في تراجع وانكماش، من ناحية أخرى ستشعر المرأة بهذا الضمور وقد تبدأ مشاعرها بالتغير تجاهه.

من نيويورك

وفقا لتقرير جاء في مجلة “نيويورك”  تقول “آنا” (مسؤولة تنفيذية) إنها شهدت العلاقة بينها وبين زوجها ـــ وهو مصمم برامج رقمية ـــ تضمحل تدريجيا كلما ازدهر مسارها المهني، حيث إنها جنت في عام ما يقارب 270 ألف دولار، بينما لم يجن هو سوى 16 ألفا فقط. في الوقت نفسه لم تستطع “آنا” مواجهته بالواقع فكان الحل هو التباعد التدريجي فأصبح كل منهما يعتمد على دخله الشخصي وأصبح زوجها حساسا وعنيدا ولا يعترف بالخلل فأصبح ينفق أكثر من استطاعته ليجاري مستواها الإنفاقي. وتعترف “آنا” أن هذه المشاكل كانت تختبئ أثناء النهار تحت ساعات العمل، حيث كلاهما مشغولان لكنها كانت تطالعهما فيما تبقى من اليوم. هذا لا يعني أن هناك استثناءات وعلاقات زوجية ناجحة رغم التباين المالي بين الطرفين. فالعلاقات التي يسودها الإنفاق المسبق والتفاهم التام من عدة نواح هي العلاقات الناجحة في الأغلب.

معادلة التوازن

والحقيقة أنه لا توجد معادلة مطلقة تنطبق على جميع العلاقات الزوجية فلكل حالة ظروفها، لذا لا أؤيد أن تظل المرأة الطرف المعال وزوجها (أو أبوها أو أخوها) هو الطرف المعيل، فالتعاون هو الحل الأنسب للأسرة المتوسطة الدخل. إن تغير الظروف الاقتصادية أعاد تشكيل الهيكل الأسري والمجتمعي بشكل عام ومن باب الحاجة إلى العمل والإنتاج والكسب انطلقت المرأة إلى سوق العمل خارج المنزل ما نتج عنه بعض السلبيات في أحيان قليلة وعديد من الإيجابيات في أغلب الأحوال. كذلك أرى أنه من المستحيل أن تعيش الأسرة بشكل سعيد عندما تحاصرها الديون والمصاريف من كل جانب وتدخل المعاناة الشديدة في حياة الرجل والمرأة والأبناء في آن معا.

ماذا تغير؟

كانت الموظفة السعودية غير مطلوبة للزواج واليوم أصبحت الطبيبة والمهندسة وحتى الحرفية مطلوبة للزواج بسبب استقلالها المادي في الغالب، ما يشير إلى أن نموذج معيل الأسرة الأوحد بدأ يتفكك تدريجيا (للأسر المتوسطة الدخل) وأصبح من الطبيعي أن يتشارك الطرفان في تحمل النفقات المعيشية. وبلا شك فإن التغيرات المتراكمة في الأحوال الاقتصادية تؤدي إلى تغيرات ملموسة في المجتمع، وإن حدة التغير أو سرعته تتفاوت من بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. والملاحظ أن سرعة التغيير والاستجابة للمتغيرات الاقتصادية في المملكة ليست سريعة بل ظل المجتمع عقودا يناقش قضايا هرمة حول العلاقة بين الرجل والمرأة، بينما أغلب مناطق العالم تجاوزت هذه المسائل بعقود.

المــــــال

 يغير موازين القوى في أي علاقة، لكن كيف تتغير مشاعر المرأة في هذه العلاقة؟

في المجتمعات التي تغلب فيها السيطرة الذكورية نجد أن المرأة عندما تجني أكثر تبدأ التفاعل مع المال الفائض لديها بطرق انفعالية. وأبرز ما يسبب لها الارتباك هو “التحول في ميزان القوة” فهي الآن تملك شيئا بيدها من المعتاد (في ثقافتها) أن يملكه الرجل لا هي، ويجب أن يتحكم فيه الرجل لا هي، ويجب أن ينفق منه الرجل لا هي.

ماذا ينتج عن هذا الارتباك؟ بعض الأمور منها

  • الشعور بالامتنان تجاه الجميع، مثل الشعور بفضل الزوج عليها أن سمح لها بالعمل والكسب
  • الشعور بالتقصير تجاه بيتها
  •  شعورها بالندم في أي نقاش متعلق بالمال مع زوجها

أيضا، عندما تشعر بالامتنان لكل ريال يدخل جيبها فقد تبالغ في العطاء كنوع من البذل. عندما تشعر بفضل الزوج عليها لسماحه لها بالعمل فهي تبالغ أحيانا في تدليله والعناية بمتطلباته حتى على حساب وقتها وراحتها (وربما رغباتها)، وقد تفرط في الإنفاق على احتياجات المنزل كنوع من التعويض عن ساعاتها بعيدا عنه، أو تبالغ في شراء “الحاجيات” للأبناء مقابل الوقت الذي كان من الأولى أن تقضيه معهم. بجانب شعور الامتنان، من الوارد أن تفرط بعض النساء في شراء احتياجات ثانوية للتعويض عما ينقصهن، لكن هذه الحالة غالباً ما تكون في الثلاثة أشهر الأولى.

وشعور العرفان والامتنان ليس سوى ردود فعل بسبب ثقافة ترسخ مسؤولية الرجل عن تكاليف المعيشة الأسرية، لكن شعورها “بالفضل” المبالغ فيه يجب أن يتوقف ويحل محله تصرفات إيجابية أكثر فما هي؟

 تنظيم الوقت: وهي من أكثر العبارات تداولا وأصعبها تنفيذا (خاصة في زمن التواصل المجتمعي) فتعطي لأبنائها وقتا وللزوج وقتا (معقولا) وعليه أن يتفهم ويقدر محاولتها ويدعمها لا أن يلومها ويؤنبها على التقصير.

التفاهم مع الشريك: أصبح من الصعب على أسرة متوسطة الدخل بطفلين فأكثر الاعتماد على دخل واحد، لذا من الضروري جدا أن يتفق الطرفان على بنود المساهمة في المصاريف. في أغلب الأحيان يتولى الرجل المصاريف الأساسية مثل الإيجار والسائق والمدارس، وتتولى الزوجة المصروفات الأخرى. طبعا تتفاوت نسبة المساهمة حسب دخل الأسرة.

الميزانية: ادخار مبلغ شهري جانبا لا يقل عن 20 في المائة من الدخل، حيث يكون ملاءة مالية للمستقبل، وعمل صندوق شخصي للطوارئ.

الحسابات المصرفية: حساب المصروفات المنزلية يجب أن يكون منفصلا، ويمكن أن يكون مشتركا بين الزوجين والأفضل أن يكون بيد الزوجة فقط.

 

تم نشر المقال الأصلي في جريدة الإقتصادية (نوفمبر ٢٠١٦)

في شـارع الذهـب

شارع الذهب

يا ربي ما هذا الحر الذي هجم على جدة اليوم؟
قطرات العرق تنزلق من جبيني لأسفل ظهري. بدأت أشعر بالإرهاق، وأنا أصبِّر نفسي بمشهد الماء البارد عند عودتي إلى المنزل.

شارع الذهب هو شارع عريض متفرع من شارع الملك عبدالعزيز في قلب جدة القديمة والشهير بمحالِّ الذهب والصرافة التي ترتصُّ بعشوائية مثيرة على جانبيه.

وبرغم بساطته إلا أن أحشاءه مليئة بتفاصيل وقصص تملأ كتب ومجلدات التاريخ والاجتماع.

اليوم تحديداً كان القيظ ممزوجاً بالرطوبة الشبه خانقة والشمس آيلة نحو الغروب، وأنا أسير بسرعة أقرب للهرولة لقضاء احتياجاتي قبل صلاة المغرب.

«عندك 18»؟ -أسألُ راعي المحل باختصار بما معناه «الذهب عيار 18»

هز رأسه إيجاباً «إيش تبغي تعليقات أو حلقان؟» فأجبته «تعليقات».

أجوب بعيني في البضاعة ولا يعجبني المعروض «ما أبغي شي فيه زيركون» (أي حجر الزجاج تقليد الماس) «أجل تبغين سادة؟» فهززت رأسي بالإيجاب. فأشار بيده إلى المحل المجاور «جارنا عنده تشكيلة أوسع». فشكرته وتوجهت إلى المحل المجاور ثم التالي وهكذا.. لم أجد تعليقات ذهب دون زيركون.. واضح أن الذوق الجمالي لدى المستهلك تغير تماماً.

سمعت أحدهم خلفي وهو يسعل بقوة ثم يبصق لينفث سموم رئتيه أمام باب متجره، ثم نظر إليَّ وأنا مسرعة وقال «اتفضلي يادكتورة» في محاولة لاستقطابي إلى محله. نظرت إليه ولسان حالي يقول «لست دكتورة ولن أدخل إلى متجرك وبصاقك عند بابه»!

«الشركة السعودية للذهب» أو هكذا خُيِّل لي، اسم محل دخلته مكيف والعاملون به يرتدون زياً موحداً بترتيب ونظافة، إلا أنه لا يعمل به سعودي واحد! تقودني قدماي خارج المحل فأرى «شيبة» يبدو أنه من أصل أفغاني وهو يقوم بحياكة وإصلاح النعال بخبرة واحتراف.. وأمامه زبون يراقبه بإعجاب. توقفت للحظات وأنا أتفكر في جميع الحرف اليدوية الثمينة التي انقرضت مع الوقت ثم أستدير..

فوج كبير من النساء اللاتي لا ترى منهن سوى أعين تنظر إليَّ بفضول، ويبدو من طول قامتهن وضخامتهن أنهن لسن من هذه البلاد، يسِرن بكل اطمئنان مثل باقي المخالفين لنظم الإقامة في هذا الشارع الذي يضم بشراً من كل صوب وحدب.

تمتمت بالدعاء وقت الأذان أن أجد السائق والسيارة دون طول انتظار وأنا أنظر خلفي إلى شارع الذهب.

نشرالمقالالأصليفيجريدةالشرق٧ / ٢٠١٣ 

نصائح مالية للمرأة قبل الثلاثين

58b09363549057824f8b4c90-750-563

 

 

سالي كروتشك – من السيدات القلائل اللاتي وصلن إلى مراتب عليا جدا في “وول ستريت” وفي فترة من الزمن كان من الأصعب اختراق دوائر الإدارات العليا .لقطاع يسيطر عليه الرجال بالأغلبية

تقلدت سالي (53 عاما) وهي زوجة وأم، مناصب عديدة أبرزها الرئيس التنفيذي لإحدى أذرع “سيتي جروب” ثم منصب الرئيس المالي لشركة ميريل لينش لإدارة الأصول بعد استحواذ بنك أوف أميركا عليها. اليوم تركت سالي المناصب العليا وأسست شبكة دعم مالي  وتوعوي قوية إسمها (إليفيست) للنساء في أمريكا ونشرت مؤلفات في هذا المجال ولها محاضرات توعوية عديدة إيمانا برسالتها. وفيما يلي أقتبس، وترجمت بتصرف، بعض النصائح المالية المهمة التي توجهها إلى السيدات والفتيات خاصة من هن تحت سن الثلاثين.

أولا: تخلصي أو خففي من عبء الديون سيكون من الصعب الالتفات إلى المعيشة وتكاليفها إلا بعد التخلص من ديونك مهما كانت كبيرة أو قليلة، وستظل معنوياتك منخفضة طالما أنك تشعرين بالمستحقات التي عليك تجاه الآخرين. نصيحة “سالي” ألا تقدمي على أي مشروع أو مصروف إلا بعد سداد ديونك. لو كان قرضك مصرفيا حاولي التواصل مع المصرف، بلا يأس، لإعادة جدولة الأقساط بشكل يناسبك أكثر، خاصة لو ظروفك تغيرت. لو كان قرضك من الأهل أو الأصدقاء التزمي بجدول سداد منتظم لأن الثقة التي أولوك إياها من خلال إقراضك غالية جدا وتختفي تماما وحتما ستؤثر في علاقتك الشخصية لو تخلفت عن السداد. في حال دفعت بالبطاقة الائتمانية أنصحك بعدم تأجيل السداد مطلقا والالتزام التام قبل حلول آخر المدة لكيلا تتراكم عليك الفوائد المركبة.

ثانيا: صندوق الطوارئ هو صندوق ادخاري تضعين فيه ما يعادل دخل 6 – 8 أشهر كاملة، حيث لا تلجئين إليه سوى عند الحاجة الماسة. هذه الحاجة قد تكون مناسبة سارة أو سيئة ــــ لا سمح الله ــــ لكن وجوده يعطيك غطاء ماليا مريحا معنويا ويقيك صعوبة السؤال في المواقف الحرجة. في حال تم استخدام مدخرات الصندوق ينبغي لك ملؤه من جديد ويستحسن إبقاء المبلغ نفسه فيه على الأقل وذلك بتخصيص جزء من دخلك الشهري له.

ثالثا: تعرفي على أهدافك الحقيقية وسجليها تحديد أهدافك يساعدك على التحضير لها ماليا ومن وقت مبكر، (ومن تجربتي الشخصية فإن الراحة التي تشعرين بها عندما تكون أمورك المالية والتزاماتك تم التحضير لها مسبقا راحة لا توصف، والانتظار للحظة الأخيرة من أسوأ السلوكيات المالية التي يمكن أن تقومي بها). لو كان هدفك شراء سيارة أو الدخول في مشروع أو غيره سجلي الهدف وحددي الميزانية المطلوبة وابدئي بتكوين رأس المال المطلوب مبكرا. أيضا من المهم ألا تستخدمي هذه المدخرات إلا لو كانت ملاذك الأخير لأن استسهال الأخذ منها يجعلك تتهاونين لمرات متتالية وتتلف عملية الادخار.

ومن هنا أكمل باقي النصائح من واقع التجربة في الحياة والسلك المهني…

 رابعا: أهم استثمارهو بناء القدرات والذات واكتساب المهارات  وهو يظل أكبر وأهم استثمار نقوم به في حياتنا. وسواء كان بأخذ دورات أو تعلم مهارة جديدة فإن المعرفة التي تكتسبينها في وقت مبكر هي لبنة راسخة لن تندمي عليها حتى لو لم يتم استخدامها فورا في مهنتك. فعلى سبيل المثال أنا شخصيا درست عددا كبيرا من مواد الكيمياء والعلوم الطبيعية في الجامعة ولم أستخدمها في مساري الوظيفي فيما بعد. لكن المهارات الحسابية والعلمية التي اكتسبتها في المختبرات والأرقام والتجارب أسهمت في انفتاح ذهني على العلوم من أجل قراءة الأبحاث وفهم رأس المال الاستثماري في أنحاء العالم، وعندما أقرأ عن مشروع استثماري في تقنية معينة أو حقل علمي معين فلدي خلفية  عن أبعاد هذا الاستثمار. النقطة التالية هي كيفية انتقاء ما نتعلمه. بالطبع  لا يسعنا الوقت لندرس سنوات بعيدا عن طموحنا المهني، بل يجب انتقاء التخصص الدراسي بعناية ومرونة مع التركيز على المهارات الفرعية التي نكتسبها أثناء الدراسة مثل فن الكتابة والتواصل أو الحساب والأرقام أو الذاكرة الرقمية في الرياضيات أو الفوتوغرافية في التصميم الجرافيكي مثلا وهكذا.

خامـساً: عدم تضييع المال والوقت في دورات لمجرد الحصول على شهادة اعتماد ما لم تكوني متأكدة أن الدورة لها مساهمة مباشرة في قبولك في وظيفة أو تنمي مهارة تحتاجين إليها على المستوى الشخصي أو المهني. أيضا ضعي في اعتبارك مضمار المنافسة العالمي ولا تحصري تطويرك في الإطار المحلي بمعنى أنك قد ترتبطين بعمل أو مشروع ينافسك فيه أشخاص على المستوى الدولي سواء في مسابقة أو مشروع عالمي أو وظيفة خارج البلاد وهنا تأتي فائدة الثقافة والاطلاع خارج النطاق المحلي.

سـادساً: التخطيط والادخار- أيهما أهم؟

تشير الأبحاث إلى أن الذين يخططون للمستقبل ويسيرون على خططهم ينجحون في جمع الثروة أكثر من الذين يقومون بالادخار فقط. ببساطة الأهداف الموضوعة هي أهم أسس النجاح فمثلا لو قمت برسم جدول لسداد الديون وبنية وعزيمة صادقة فستتمكنين من ذلك “مع المثابرة والضغط على نفسك قليلا”. إحدى صعوبات الالتزام بالخطط الموضوعة هي المؤثرات الخارجية التي نصادفها مثل تجاوز الميزانية الموضوعة، أو اليأس في منتصف الطريق، أو الأخذ بتجارب آخرين ظروفهم ودوافعهم تختلف عن معطياتك. إحدى أهم النصائح التي أقدمها عادة هي كتابة الأهداف “بالقلم أو طباعتها” بحيث تكون مقروءة أمامنا بدلا من تخزينها في أذهاننا، فللإبصار بالعين تأثير سيكولوجي يختلف تماما عن حشر المعلومة أو الهدف في الذهن لأن الأخير يصبح ثقيلا مرهقا ويجعلنا نتركه كلية. سادسا- اجعلي أهدافك المكتوبة مرتبطة بفترات زمنية قصيرة إلى متوسطة “أيام أو أسبوع” بحيث يسهل تنفيذها بتوال وتعطينا جرعة تحفيز للمواصلة. وبهذا ستجدين أن أهدافك طويلة الأجل تحققت وحدها دون مجهود إضافي كبير، فالأهداف طويلة الأجل ما هي سوى مجموعة هرمية من الأهداف والخطوات قصيرة الأجل.

ريــم

تم نشر المقال الأصلي في جريدة الإقتصادية (29 مارس 2017)

 

الحيــاة قصـيرة

220px-Paulgraham_240x320

الكاتب والمستثمر بول جراهام

*( ترجمة بتصرف عن المقال الأصلي لكاتبه بول جراهام paulg@)

في طفولتي كنت دائما أتفكر في هذه العبارة وهل هي واقع أم أننا مجرد نتذمر من طبيعة الدنيا الفانية. هل كنا سنشكو لو امتدت أعمارنا بعشرات المرات ؟

ولعدم معرفتي بالإجابة آنذاك فقد تناسيت السؤال إلى أن كبرت وصار لدي أبناء، وعندها وجدت الإجابة

نعم الحياة فعلا قصيرة..

تعلمت من تجربة الأبوة كيف أحول كمية “متصلة” (مثل الوقت) إلى مقادير متقطعة، فعلى سبيل المثال السنة الواحدة فيها ٥٢ أسبوعاً فقط ولدينا مع أبنائنا عدد محدود من الأسابيع في السنة، أيضاً لو

حضرت معهم مناسبة العيد كل عام من سن ٣ سنوات حتى ١٠ سنوات فإنك ستكون أمضيت معهم ٨ أعياد فقط، والرقم ٨ لا يعتبر كبيراً

إذن فالحياة قصيرة بالفعل. ما فائدة هذا الإستنتاج؟

بالنسبة لي شخصيا تعلمت منه شيئا هاماً.

تعلمت أن عبارة “الحياة أقصر من أن نقضيها في الجدل” هي عبارة نافذة وحقيقية وليست مجرد تعبيرية فالقصد الحقيقي منها هو أنك عندما تصادف أي شيء لا يستحق وقتك فأزله من حياتك دون تردد.

وهنا يبرز السؤال الثاني: ما هي الأمور أو الأشياء التافهة التي لا تستحق أن نقضي أوقاتنا فيها؟

أول إجابة تقفز إلى ذهني هي الصغائر** وهي جملة من تفاهات الأمور التي لا تستحق أن يضيع الوقت من أجلها في حياتنا، القصيرة أصلاً

ولو سألت نفسك ماهي هذه التفاهات أو الصغائر ستجد أنها أشياء نعرفها ونصادفها باستمرار مثل الإجتماعات الغير ضرورية أو الجدل الغير هادف أو البيروقراطية أو أخطاء الغير أو حتى الإزدحام المروري، وكلها أشياء متكررة لكنها غير مجدية أبدا.

ونلاحظ أن هذه الأشياء تتغلغل في حياتنا بطريقتين: إما أنها مفروضة علينا (بحكم الوظيفة مثلا) أو أنها تتسلل خفياً بحيث لا نشعر بها، ونجد أنه يتحتم علينا التماشي معها. فمثلاً العمل والكسب يتطلب السعي لإنجاز المهام، (ويتجلى ذلك في العرض والطلب بحيث أنه كلما ارتفع العائد على عمل يرتفع عدد الراغبين في القيام به وبمقابل أدنى). لكن بقليل من التمعن سنجد أن هذه “الصغائر” المفروضة علينا أقل حقيقة مما يبدو لنا. وسنجد أن بعض الناس يهجر الصغائر بحثاً عن حياة أخرى -ربما أقل في النفع المادي- لكن بها قيماً معنوية أكثر

ويمكنك أن تحقق هذا التغيير دون بذل الكثير من الجهد أو الإنتقال من إطار حياتك. على سبيل المثال يتفاوت مقدار“الصغائر” من وظيفة لأخرى فهناك مهن تتضمن الكثير (خاصة في المنشآت الكبرى التي يكثر فيها الموظفون والإجتماعات والمجاملات الفارغة) ولو حاولت جديا البحث عن عمل مجدي في منشأة واعدة مثلا وأعمالها مركزة ستجد أن وقتك لا يضيع في تلك الأمور. أو لو كنت رائد أعمال يمكنك بسهولة تجنب العملاء أو الزبائن المزعجين الذين يضيعون وقتك وجهدك أكثر مما يجلبون لك نفعاً .

وبرغم أن كثير من الصغائر تكون مفروضة عليك إلا أن الكثير منها هو من اختيارك ولا يلام فيه أحد وقد يكون من الصعب التخلص منه، وكل الأشياء التي تغرينا بإضاعة الوقت تندرج تحت هذا البند. فمثلا الجدل في وسائل التواصل المجتمعي مثل أن يتهجم أحدهم في تويتر فهو يستثيرك للدفاع عن نفسك بينما من الأجدى تجاهله وعدم الخوض معه أصلاً، لأنه يستهلك جزءا من وقتك وبالتالي من حياتك.

وهناك صغائر أسوأ مثل الإدمان على النت أو ألعاب الموبايل أو الثرثرة في مجموعات الواتساب، وهنا يتوجب علينا أن نتفكر فيما لو كنا نريد أن نقضي أوقاتنا وحياتنا فعلاً بهذا الشكل.

الخطوة الثانية هي محاولة القيام بأشياء أكثر قيمة وأهمية في الحياة.

كيف لنا أن نميز بين الأشياء المهمة بالفعل وغيرها؟ تحتوي حياة الغالبية من الناس على تشكيلة واسعة من الأنشطة والمهام النافعة وغير النافعة ومن هنا يجب التمييز بين ما يستحق أن نبذل وقتنا من أجله وما لا يفيد. للأسف قليل منا يدرك مبكراً الأشياء القيمة في الحياة مثل العناية بالمحتاجين أو الأعمال التطوعية أو التعليم أو مساعدة الآخرين.

ومن المؤشرات الإسترشادية التي يمكننا استخدامها للتمييز بين الأشياء الهامة و“الصغائر” هو التفكر فيما لو كان هذا الشيء (أو النشاط) سيعني لنا شيئا عندما نكبر في السن.

أيضا، ينبغي التمييز بين ما هو “مهم” (لأنه أمر نسبي) وبين الأشياء “القيّمة”، فمثلاً قضاء الوقت لتناول القهوة مع صديق عزيز هو شيء “قيّم” لأنك لن تشعر أنه مضيعة للوقت بعد انقضائه.

ومن أجمل مزايا وجود الأطفال الصغار في حياتنا هو قضاء الوقت معهم، فهم يجذبونك للعب معهم وأنت مشغول عنهم بجوالك أو أمورك الأخرى، وهذا يساعدنا على تجاوز الصغائر في حياتنا والإلتفات لما هو مهم بالفعل.

ولأن الحياة قصيرة فإن نهايتها قد تباغتنا، وهو ما يحدث عندما ننسى أنفسنا في المشاغل وفجأة .. ينتهي كل شيء.

كبشر نميل لتأجيل الأشياء القيّمة بحجة أنها “باقية” ويمكننا عملها “بعدين” لكننا نفاجأ بأنه إما الوقت قد انتهى أو أن عملها لم يعد ممكناً. ومن أكثر الأشياء المؤسفة هي رحيل شخص عزيز عليك قبل أن تتمكن من قضاء وقت كافٍ معه أو مساعدته أو إصلاح سوء تفاهم بينكما، فمثلاً عندما رحلت والدتي حزنت جداً لأنها ماتت قبل أن أقضي معها وقتاً كافياً، حيث عشت معتقداً بأنها ستظل دائماً موجودة معي (خاصة مع طبعها الهادئ الذي عزز هذا الشعور عندي). ولأن الكثيرون يقعون في هذا الخطأ فربما أفضل وسيلة هي التفكر والتمعن في النهاية وأن نظل واعين باقترابها. وفي الماضي كان أجدادنا يفكرون من هذا المنطلق، لكن اليوم يكاد لا يفكر أحد في النهاية ربما لأن كثرة التفكير بالرحيل يبدو أمراً سوداوياً وقاتماً.

إذن، قم بإعطاء اولوية التنفيذ للأمور التي ترغب فعلا بها .. لا تؤجل بحجة أن هذا الشيء يمكنه الإنتظار وأنه لا زال أمامك متسع من الوقت. لا تتلكأ ولا تختلق الأعذار. أيضاً حاول أن تستمتع بالقيام ما تحب. إن أسلوب حياتك سيؤثر حتما على طول حياتك (شعوريا) وأغلبنا يمكن أن يحسن من طريقة معيشته هكذا وأنا منهم.

أيامنا تمضي بسرعة ولو ركزنا في انقضاء الزمن سندرك هذا. أيضاً في خضم المهام والمسؤوليات نجد أنفسنا نتطلع إلى اللحظة التالية بدلا من الإستمتاع بالحاضر، ويمكننا أن نتعلم الإستمتاع بالحاضر من خلال بعض الأشياء منها قضاء الوقت مع الأطفال.. وفيها الكثير من اللحظات الرائعة التي لا بد أن تستوقفنا.

ورغم أنني أشتاق لأمي وأحزن لفراقها إلا أن وجود ابني (٧ سنوات) كان له أكبر الأثر في سعادتي.

باختصار، لا تؤجل الإستمتاع بما (وبمن) تحب واترك عنك الصغائر التي تستنزف حياتك. هذا ما يجب أن نفعله عندما تكون الحياة قصيرة.

ريــم


 * تمت ترجمة المقال بعد موافقة كاتبه

 ** تم استخدام كلمة “الصغائر” كبديل لمصطلح  bull shit في المقال الآصلي

أنا وهي

Screen Shot 2018-03-11 at 7.56.25 PM

 

لفت الطرحة بإحكام لتغطي مقدمة شعرها وجزءا من ناصيتها. ثم أمسكت بالنقاب بين أصابعها ونظرت اليه نظرة الخبير، فقلبته على الجهة الأخرى ثم وضعته على وجهها بحيث تُبقي فتحة العينين مساحة بالكاد كافية للرؤية .. ثم عقدت أطرافه الخلفية بقوة بحيث برزت “الكعكة” (كما نسميها في الحجاز). والكعكة تطلق على الشعر الطويل  عندما يُلف ويربط مثل الكرة خلف الرأس.

عندما يتم احكام ربط النقاب فوق الطرحة. تبرز الكعكة بشكل غير جذاب ومستغرب، على الاقل لغير المعتادين عليه


هذا النقاب الذي أحدث ضجة عالمية في السنوات الاخيرة حتى انه دخل أروقة المحاكم ودساتير بعض البلاد وتسبب بغرامات مالية في أخرى .. هذا ناهيك عن الصدام الفكري والثقافي والجدل الذي لا ينتهي… هذا كله بسبب قطعة قماش تربطها حول وجهها فتبرز عيناها فقط.


تخيلت نفسي مكانها..

تخيلت نفسي اربط قطعة قماش حول وجهي أتنفس داخلها وآكل وأشرب من تحتها .. أتحدث فلا يرى أحد شفتاي ولا تعابير وجهي. صوت بدون صورة

النقاب حيث يسهل الاختباء واخفاء الهوية تماما .. حيث يمكنني ان اقوم بأي شيء دون ان يعرفني احد…

صدقة في الخفاء.. او الهرب مع عشيق بأمان.. ألقي محاضرة فيركز الحضور على أفكاري دون مظهري.. أو أرتكب خطأ مهنيا فلن يتعرف علي أحد ولن ينسبه الى وجهي.. أعود كالملاك الطاهر بوجه جديد كل يوم.. هو نفس الوجه الذي لا يعرفه أحد… أتصور في المحافل الدولية فلا يميزني أحد .. لكنهم يطلقون علي صاحبة النقاب او المنقبة.


تخيلت نفسي في هذه الحياة.. انظر في المرآة كل صباح ثم اضع النقاب فأتحول الى رأس داكن، الى رقم من ملايين النسوة فلا أعرف نفسي لو وقفت بجانب جارتي او حتى اختي.


حياة واحدة لا يعرف شكلها أحد.. حياة ترتاح فيها ملايين النساء .. حياة مفروضة على كثير منهن.. وحياة لا تطيقها ولا تجيدها الكثير كذلك.

فكرت أكثر من مرة أن اجرب ارتداءه لاستشعار حياتي خلفه ولو لدقائق. لم أتقبل الفكرة بتاتا.. ربما لأني مرتاحة بوجهي.. مرتاحة ان يعرفني الناس، أفضل أن ارى الحياة فتراني هي كذلك. ارغب باستنشاق الهواء بدون عازل من القماش.. وأن أتحدث مع الشخص أمامي وجها لوجه، وليس وجها لنقاب.

هل يتنافي هذا مع طبيعتي الخجولة؟ لا اعتقد… كما انه لا يتنافى مع طبيعة امرأة منقبة وجريئة.


في نطاق المهن التي تتضمن تواصلا مباشرا ومتواصلا أرفض التعامل مع سيدة تخفي وجهها لأنه بالنسبة لي مسألة هوية وتعارف بشري، فلا طبيبة تلمسني دون أن أرى وجهها، أو معلمة تحاضر أمامي ولا أعرفها.

مجرد وجهة نظر.. لا ضد ولا مع.. كشأن معظم الأشياء في الحياة: خيارات

 

ريـم

بالعربي 1

 تدوين: ريم أسعد ومساعد الشطي  @lightcup

 

ربما كانا صديقين وزملاء مهنة وكان كل منهما يمتدح عمل الآخر.

فإسهامات “دانييل كانيمان” (عالم السيكولوجي الأمريكي) أكسبته جائزة نوبل للاقتصاد عام 2002، مع إنه لم يدرس الاقتصاد أصلاً ولا يشير إلى إسهاماته على أنها اقتصادية بل يطلق عليها مسمى (علم النفس التطبيقي).

أما “ريتشارد ثيلر” فكان له رأي آخر. فرغم اعتراف الأخير بأنه أخذ الكثير من الأفكار من علم النفس إلا إن هذا لا يمنع تداخل العلوم فيما بينها وإنها تفسر بشكل أفضل سلوك الانسان الاستهلاكي، وإن قرارات البشر منطقية في معظمها، لكن هناك جزء منها يندرج تحت مسمى “قرارات لا منطقية”. الدليل على صحة إن هذه الأبحاث السلوكية تمس الاقتصاديين بشكل مباشر (والحديث لثيلر) هو إنك لو زرت أي مؤتمر حول السلوك ستجد غالب الحضور من الاقتصاديين وليس علماء نفس.

بالمناسبة كذلك أحد أشهر المنظرين في هذا المجال هو “دان أرييلي” (أستاذ علم نفس) لكنه يطلق على نفسه (اقتصادي سلوكي) مما يعزز فكرة ثيلر.

ريتشارد ثيلر جاء بالكثير من المفاهيم السلوكية المتعلقة بالاقتصاد وأسس ما يسمى بالاقتصاد السلوكي Behavioral Economics وطرح الكثير منها في أحد الكتب (وقت كتابة هذا المقال يتربع الكتاب على قائمة الأكثر مبيعاً في أمازون)

بعنوان Nudge (أو الدفع) وهي عبارة عن آلية لتصميم البيئات بحيث تدفع هذه التصميمات الناس نحو سلوكيات أفضل.

فالناس قراراتهم ستكون غير منطقية نتيجة ضعف الإرادة أو تشوش ذهني أو كسل أو غيره من الأشياء التي تشوش على سلوك الانسان وأحد أفضل الحلول لذلك هو ألا تجعله يفكر في قراراته بل صمّم بيئة “تدفعه” لذلك دون تفكير.

سأوضح أكثر بمثالين:

١-​على الرغم من التصاق النمسا بألمانيا والتشابه الثقافي الشديد بينهما إلا إن ٩٩٪ من النمساويين يتبرعون بأعضائهم بعد الوفاة مقارنة مع ١٢٪ فقط من الألمان! هذا تفاوت مهول. وقد يكون هذا التفاوت فرصة ذهبية للتندر بين الشعبين وإطلاق مختلف الصفات لكن الأمر أبسط من ذلك. المشرع النمساوي قرر أن يكون كل من يحصل على رخصة القيادة أن يكون موافقاً على التبرع بأعضائه بعد الوفاة مالم يقم بنفسه بإلغاء ذلك. بالمقابل المشرع الألماني يطلب أن يقوم الشخص بعد الحصول على رخصة القيادة أن يتبرع بأعضائه في حال وفاته. الناس توافق ما دام هذا من ضمن الاختيار الافتراضي لكن لو صعبت عليهم المهمة سيستثقلون الأمر. ومثل التبرع بالدم: في المنطقة عندنا الكل يؤمن بشرعيته وأهميته لكن قليل من يقوم به لأنه صعب وبعيد ويأخذ وقتاً، لكن عندما قام بنك الدم بتوفير سيارات متنقلة لأخذ الدم من المتبرعين في مقار عملهم صارت مدة الانتظار بالشهور ناهيك عن امتلاء خزانات البنك!

٢-​في أمريكا عندهم مشكلة كبيرة في إن الموظفين لا يشتركون في صندوق التقاعد (401K) استخفافاً بالقرار ولكن هناك مؤسسات تجارية تشرك الموظفين بشكل تلقائي عند توظيفهم. الموظف يتساهل في قراره هذا أثناء حياته الوظيفية لكنه يصدم في نهاية خدمته عندما لا يحصل على راتب تقاعدي!

أعرف الأمر غريب لأن من حسن الحظ عندنا مؤسسات التقاعد والتأمينات الاجتماعية تقوم بهذا الدور دون تفكير وبالتالي يحصل الموظف عند التقاعد بشكل إجباري على راتب من استقطاعاته أثناء عمله الوظيفي. لو لم تصمم بيئة العمل بهذا الشكل الاجباري فأتوقع أن كثيراً من الناس ستقع في مأزق كبير. فقط كنت أتمنى لو أنهم أتاحوا المجال لرفع سقف الاستقطاعات والحصول على راتب أعلى لمن استثمر أكثر في راتبه التقاعدي -كما هو معمول به في أمريكا.

الأمثلة كثير وهذا ما دفع كثير من الحكومات بأن تستخدم وحدات أدوات الاقتصاد السلوكي كي تصمم هياكل أفضل للخيارات الفردية، ويقدر عددها اليوم بـ 75 وحدة اقتصاد سلوكي حول العالم

في النهاية يبدو إنه لو إن ما قال ثيلر في أن (الانسان منطقي إلا في جزء من قراراته) صحيح فهذا العلم تحديداً سيحسن من الحياة البشرية بشكل كبير.

المحاسبة الذهنية

تقول الفرضية أن قراراتنا الاستهلاكية لا تأخذ في الاعتبار جميع البدائل المتوفرة بشكل حيادي وبالتالي فنظرتنا للخيارات المتاحة تأتي من منظور ضيق. وهنا يأتي مفهوم “التعقل المحدود” Bounded Rationality (ابتكره الاقتصادي الأمريكي هيربرت سيمون). وملخصه أن عملية اتخاذ القرار تعتمد على ثلاثة أشياء: المعلومات المتاحة والقدرة الذهنية والوقت المتوفر لدى الفرد.

هذا المفهوم نجد له أمثلة عديدة في “المحاسبة الذهنية” Mental Accounting التي أطلقها ثيلرThaler ويصف فيها كيف يقيّم الفرد ويتخذ قراراته المالية.

عندما تضع ميزانية منزلية شخصية مثلاً فإنك تبدأ بتقسيم أغلب مصاريفك ومدخراتك إلى بنود مختلفة، وربما تخصص لها حسابات مصرفية منفصلة حتى لا تختلط المخصصات و”تخرب الميزانية”. هذا السلوك يسميه ثيلر المحاسبة الذهنية.

في هذا السلوك يتخذ الفرد قراراته تجاه كل بند بانفصال فلا ينظر إلى اجمالي المصروفات، برغم أن مجموع المصروفات لا لا يعتمد على أي حساب تم السحب منه أو الإيداع فيه.

تصور مثلاً أن لديك حساب مدخرات سنوية وبه مبلغ معقول وعليك في المقابل ديون في بطاقة الائتمان، وفقاً للسلوك فإنك ترفض سدادها من حساب المدخرات السنوية فقط لأنك “تعتبرها” مدخرات لا يمكن المساس بها، وتكون النتيجة أنك تتحمّل الفائدة التراكمية على البطاقة وتنتهي بخسارة إجمالية! أو أنك قد ترفض سحب مصروفات الإجازة من حسابك الادخاري (بعائد 3% سنوياً مثلا) وتفضل الاقتراض بنسبة 5%. وهنا غالباً ما تبرر التصرف بأنك تحمي مدخراتك الطويلة الأجل من بسبب المصاريف المتكررة والاستهلاك المكلف. وفقاً لثيلر فهذا السلوك غير سليم وناتج عن أنك ظللت حبيس المحاسبة الذهنية والتي منعتك نفسياً من اتخاذ القرار الصحيح Limited Rationality. ثمة سلوك آخر يتكرر بكثرة ويعكس المحاسبة الذهنية ويتمثل في “الرقم المرجعي” لقراراتنا المالية. مثلا قمت بشراء سلعة بسعر 5 ريالات (أو أقل سعر وجدته في النت)، بعدها يصبح هذا السعر مرجعاً لك في جميع السلع المشابهة وعلى أساسه تقرر ما إذا ستشتري سلعة مقاربة لها مستقبلاً.

مثال واقعي نجده في الحقائب النسائية. لنفترض أنكِ نزلتِ إلى السوق في أيام التخفيضات القصوى والتقطت “شنطة أحلامك” بسعر لا يصدق، ستجدي أنه يصعب عليك شراء شنطة أخرى بالسعر الكامل لأن السعر الأول (في التخفيضات) ظل نقطة المرجعية العالق بذهنك. ويمكن القياس على ذلك في قرارات أخرى مثل تذاكر السفر أو أسعار المدارس أو غيرها.

مثال آخر. لو أنت سائق أوبر وقمت ذهنياً بتحديد دخلاً يومياً بعده يمكنك العودة إلى المنزل، في هذه الحالة ستقوم بالتوقف عن نشاطك عندما يتحقق الدخل اليومي بينما تضيع عليك فرص تحصيل دخل أكبر في أوقات الذروة (سواء بسبب نقص السائقين أو زيادة عدد الزبائن).

معلومة غير هامة

حصل البروفيسور كانيمان على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عام 2002 (رغم أنه عالم نفس سلوكي)، وحصل البروفيسور ثيلر (مؤسس الاقتصاد السلوكي) على نفس الجائزة لعام 2017 (قبل أيام من كتابة المقال) أما البروفيسور آرييلي فهو أيضا عالم اقتصاد سلوكي لكنه لم يحصل على الجائزة (حتى تاريخ هذه التدوينة!).

مع تحيات ريم ومساعد